الشبكات العصبية > مقدمة في الشبكات العصبية
الشبكات العصبية
يحتوي الدماغ البشري على أكثر من 80 مليار خلية — تُعرف بالخلايا العصبية (العصبونات) — والتي تتبادل المعلومات فيما بينها عبر نبضات كهربائية صغيرة.

الخلية العصبية الواحدة لا تتواصل بشكل مباشر مع بقية الـ 80 مليار خلية. بل تترابط معًا لتشكل هياكل تؤدي وظائف متخصصة. هذه الهياكل هي ما نطلق عليه اسم "الشبكات العصبية الحيوية".
الدماغ البشري أعقد بكثير من أن نغطيه بالتفصيل هنا، ولكننا لسنا بحاجة لمعرفة كل تلك التفاصيل لنصل إلى أهم سمة تميزه: "الأدمغة تتعلم من التجربة والخبرة".

في كل مرة تتعلم فيها لعبة جديدة، أو مهارة رياضية، أو حتى حركات جديدة، تقوم الخلايا العصبية في دماغك بتقوية خطوط اتصالها مع بعض الخلايا، بينما تضعف أو تلغي اتصالها بخلايا أخرى. هكذا تتطور بنية شبكتك العصبية مع كل مهارة جديدة تكتسبها.
تم ابتكار الشبكات العصبية الاصطناعية (ANNs باختصار) بهدف فهم ومحاكاة طريقة عمل أدمغة الثدييات. لكن في السنوات الأخيرة، أصبحت هذه الشبكات تمتلك استقلاليتها وتطبيقاتها الخاصة التي فاقت التوقعات.
بإمكان أجهزة الكمبيوتر اليوم تنفيذ مليارات الأوامر في الثانية الواحدة. هذا التطور الهائل في القدرة الحاسوبية سمح للعلماء ببناء شبكات عصبية اصطناعية قادرة على التعلم؛ مثل التعرف على وجوه الأشخاص في الصور، احتراف لعبة الشطرنج، بل ومساعدة الأطباء في تشخيص الأمراض.

بمعنى آخر، أصبحت هذه الشبكات تتعلم أداء مهام معقدة كانت يومًا ما حكرًا على البشر. في نهاية هذا الدرس، ستتاح لك الفرصة لتجربة شبكة عصبية اصطناعية قمنا بتدريبها على "الرؤية"، ولكن من الأفضل أن نتعرف أولاً على أساسيات عمل هذه الشبكات.
الخلايا العصبية الاصطناعية
كما أن الخلايا العصبية الحيوية هي وحدة البناء الأساسية للدماغ، فإن الخلايا العصبية الاصطناعية (العصبونات الاصطناعية) هي اللبنة الحسابية الأساسية للشبكة العصبية الاصطناعية (ANN). ومثل نظيرتها الحيوية، تستجيب هذه الخلايا الاصطناعية للمعلومات التي تُعرض عليها.
ويمكنها استخدام هذه المعلومات لاتخاذ قرارات أو القيام بتنبؤات. دعونا نلقي نظرة على مثال بسيط.
هذا القط "مشمش". إنه قط هادئ ومسالم جدًا.

يستمتع "مشمش" كثيرًا عندما يربت صاحبه عليه، سواء على ظهره، أو ذقنه، أو بطنه — تقريبًا في أي مكان.
إليك شبكة عصبية اصطناعية مكونة من أربعة مدخلات وخلية عصبية واحدة. تتنبأ هذه الشبكة بمدى سعادة "مشمش" عندما يعتني به صاحبه:
مدخلات هذه الخلية العصبية تمثل الأماكن التي يمكن لصاحب "مشمش" أن يربت عليها. تفعيل أي مدخل يعني أن "مشمش" يتلقى تدليكًا في ذلك المكان. الخلية العصبية التي تحمل أيقونة القط ستعرض لك التوقع الخاص برد فعله. جرب تفعيل بعض المدخلات (تشغيل) ولاحظ كيف يتغير شكل الخلية العصبية.
تفعيل بعض المدخلات يغير من نسبة امتلاء "خلية مشمش العصبية". كلما امتلأت الخلية أكثر، كلما توقعنا أن يكون "مشمش" في قمة سعادته (يخرخر) بعد أن نربت عليه لعدة دقائق في الأماكن التي قمنا بتفعيلها.
عندما تمتلئ الخلية وتصبح سوداء بالكامل، فهذا يعني أن الشبكة تتوقع أن يبدأ "مشمش" بالخرخرة من شدة الاستمتاع.
تتنبأ هذه الشبكة بأن "مشمش" سيخرخر سعيدًا إذا ربتّ على ظهره وذقنه وبطنه معًا. لكن إذا حاولت لمس أذنيه، فلن يعجبه الأمر.
تفعيل مجموعات مختلفة من المدخلات ينتج عنه استجابات متفاوتة من الخلية العصبية.
NOTE
عندما تكون الخلية سوداء بالكامل، نطلق عليها "مُفعلة كليًا" بواسطة المدخلات. أما إذا كانت الخلية فارغة تمامًا، فنقول إنها "غير نشطة مطلقًا".
في أغلب الحالات، تكون خلية "مشمش" في حالة وسط بين التفعيل الكلي والخمول التام.
يوضح لنا هذا المثال كيف يمكن لخلية عصبية اصطناعية واحدة أن تبني توقعًا. في الخطوة التالية، سنستعرض شبكة عصبية بترتيب مختلف قليلاً لنرى كيف يمكن للتغييرات البسيطة أن تؤثر على النتيجة النهائية.
المدخلات الإيجابية والسلبية
تعرفوا على "عنتر".

عنتر قط مشاغب وعنيد. في بعض الأحيان يعبث بصناديق القمامة ويأكل أشياء تمرضه وتجعله سيء المزاج.
هذه الشبكة العصبية تتنبأ بنوع التربيت الذي قد يتقبله "عنتر" اليوم:
استخدم الخلية العصبية لتكتشف كيف يمكنك التربيت على "عنتر" لجعله سعيدًا. هل يمكنك إيجاد توليفة من المدخلات تُفعل الخلية بالكامل وتجعله يخرخر؟
ستلاحظ أن محاولة التربيت على أي جزء من جسمه تقريبًا ستثير غضب "عنتر" — فاللون الأسود داخل الخلية يبدأ بالتلاشي. الاستثناء الوحيد هو أذنيه، ومع ذلك فإن الاستجابة ليست قوية بما يكفي لجعله يخرخر.
لعلّك لاحظت أن الخطوط التي تربط المدخلات بالخلية العصبية تأتي بلونين مختلفين. تفعيل المدخلات ذات الخط الوردي يعطي تأثيرًا معاكسًا لتلك التي تمتلك خطًا أخضر.
هذا التباين اللوني يساعدك على فهم طبيعة تأثير كل مُدخل على الخلية.
NOTE
الروابط الخضراء تميل إلى تحفيز وتنشيط الخلية، لذا نطلق عليها روابط "إيجابية". بينما الروابط الوردية تميل إلى إخماد وتثبيط الخلية، لذا نطلق عليها روابط "سلبية".
في يوم آخر، تغير مزاج "عنتر"، وأصبح يمكن توقعه عبر هذه الخلية العصبية ذات الإعدادات المختلفة قليلاً:
لاحظ أنه عندما تكون جميع المدخلات معطلة، تكون الخلية العصبية ممتلئة حتى المنتصف. هذا يعني أن "عنتر" يشعر باللامبالاة التامة — فهو ليس سعيدًا ولا غاضبًا — ولكنه قد يبقى لامباليًا حتى وأنت تربت عليه!
كما ترى، تتوقع الخلية أن يقابل "عنتر" العديد من التوليفات بحالة من اللامبالاة. لقد استنتجنا أن تشغيل أي زوج مكون من مدخل أخضر وآخر وردي معًا سيلغي كل منهما تأثير الآخر ولن يُحدث أي تغيير، تمامًا كالمعادلة الرياضية: −1 + 1 = 0.
هناك الكثير من الأسرار المتبقية لنتعلمها عن الخلايا العصبية الاصطناعية، ولكن الآن بعد أن فهمنا الأساسيات، دعونا نرى ما الذي يمكن لشبكة عصبية أكبر حجمًا أن تفعله.
الشبكات متعددة الطبقات
حتى الآن، قمنا بتجربة شبكات عصبية صغيرة تتخذ قرارات بسيطة حول ما إذا كان القط يشعر بالسعادة أم لا. لكن كيف يمكننا بناء شبكات قادرة على أداء مهام معقدة — مثل التنبؤ بأسعار الأسهم أو التعرف على الوجوه في الصور؟ في النهاية، هذا هو سبب وجودك هنا، أليس كذلك؟
الشبكات العصبية التي تحتوي على خلية عصبية واحدة — مثل التي جربناها — قدرتها التنبؤية محدودة جدًا. لكن الأمور تصبح أكثر إثارة وحماسًا عندما نبدأ بإضافة المزيد من الخلايا. لذلك سوف نستعرض مثالًا يضم... نعم، لقد حزرت!
...قطًا ثالثًا.

هذا "فلفل". قط يمتلك قلبًا كبيرًا وحنونًا، ولكنه أيضًا كتلة من الطاقة والنشاط — خاصة إذا كان في الغرفة ستائر تصلح للتسلق!
إليك شبكة عصبية أخرى مسؤولة عن التنبؤ بردود فعل "فلفل" المعقدة تجاه التربيت عليه.
كما تلاحظ، تتكون هذه الشبكة من أربع خلايا عصبية وستة مدخلات. تتوزع ثلاث من هذه الخلايا في الطبقة الوسطى (المخفية) للشبكة. وفي الأعلى توجد "خلية فلفل" التي تعرض النتيجة النهائية ورد فعله المتوقع.
هل تتأثر خلية فلفل في الأعلى بتغيير حالة المدخلات الموجودة في الأسفل؟
المدخلات في الأسفل تتحكم بشكل غير مباشر في حالة خلية فلفل النهائية؛ حيث تقوم بتوجيه الخلايا الثلاث في الطبقة الوسطى، والتي بدورها تعمل كمدخلات للخلية العلوية الخاصة بفلفل.
وبالتالي، فالخلايا في الطبقة الوسطى تُحكم مباشرة عبر المدخلات الأساسية.
دعونا نستخدم هذه الشبكة لاكتشاف ما يفضله "فلفل". لتفعيل خلية فلفل بالكامل، من المفيد أن نفكر أولاً في الخلايا الثلاث في الطبقة الوسطى وكيف يجب أن تكون حالتها.
الآن وبعد أن عرفت كيف يجب أن تتصرف خلايا الطبقة الوسطى، جرب تعديل المدخلات السفلية لتحقيق هذه الحالة. هل يمكنك إسعاد "فلفل" وجعله يخرخر عبر جعل خليته تمتلئ باللون الأسود تمامًا؟
"فلفل" قط مرن ومزاجي بعض الشيء. يحب أن تربت على ظهره، بطنه، وأسفل ظهره. ولكنه سيكون بنفس القدر من السعادة إذا ربتّ على ظهره، بطنه، ورقبته — أو حتى على الأربعة معًا: الظهر، البطن، الرقبة، وأسفل الظهر.
هذا المستوى من المرونة وتعدد الخيارات في اتخاذ القرار لا يمكن تحقيقه باستخدام شبكة تمتلك خلية عصبية واحدة فقط.
إذن، القوة التنبؤية للشبكات العصبية تنبع من قدرتها على معالجة المعلومات وتمريرها عبر "طبقات" متعددة من الخلايا. الخلايا الثلاث في شبكة "فلفل" هي مجرد نموذج مصغر جدًا لطبقة مخفية. تخيل معي ماذا يمكن لشبكة عصبية تحتوي على 25 خلية في الطبقة الواحدة أن تفعله؟ دعونا نكتشف ذلك.
رؤية الأرقام والتعرف عليها
من خلال تجاربنا مع القطط، استخلصنا بعض المبادئ الهامة: الشبكات العصبية تتخذ قراراتها بناءً على المدخلات التي تستقبلها. الخلايا العصبية تتبع قواعد رياضية ثابتة لحساب مخرجاتها.
عندما نقوم بترتيب هذه الخلايا في "طبقات" متراصة، نفتح الباب لإمكانية حل مشكلات أكثر تعقيدًا وإجراء تنبؤات أدق — بشرط أن نتمكن من ضبط "الأوزان" والروابط الصحيحة بين هذه الطبقات.
تزداد قدرة الشبكة العصبية على فهم التعقيد بزيادة عدد الروابط بين خلاياها. على سبيل المثال، إليك شبكة عصبية تتكون من 50 خلية موزعة على طبقتين، وقد تم تدريبها خصيصًا للتعرف على الأرقام المكتوبة بخط اليد من 0 إلى 9.
بدلاً من مجرد 4 أو 6 مدخلات، تعتمد هذه الشبكة على شبكة بكسلات تتكون من 400 بكسل كمدخلات لها. بينما تقوم برسم الأرقام في المربع المخصص لاختبار الشبكة، تذكر أن هذه الشبكة قد تم تدريبها على الأرقام التي تتوسط المربع وتملأ معظمه — بعبارة أخرى، حاول أن ترسم أرقامًا كبيرة وواضحة.
هل لاحظت أي أرقام تواجه الشبكة صعوبة في التعرف عليها؟
ربما لاحظت أن شاشة البكسلات لا يبدو أنها متصلة بخلايا الطبقة الأولى عبر خطوط وردية وخضراء كما رأينا سابقًا. في الواقع، كل خلية من الخلايا الـ 25 في الطبقة الأولى تتلقى المعلومات من جميع البكسلات الـ 400 في نفس الوقت! نحن فقط لا نعرض جميع الروابط البالغ عددها 10,000 رابط (400 × 25) لأن الشاشة ستصبح فوضوية للغاية.
ولكننا نعرض الروابط بين الطبقات اللاحقة. وإذا تأملتها جيدًا، ستدرك أنه من المستحيل أن يكون قد تم ضبطها يدويًا. لقد "تعلمت" هذه الشبكة كيفية التعرف على الأرقام، وتم ضبط قوة الروابط الإيجابية والسلبية التي تراها من خلال عملية طويلة تُعرف بـ "التدريب" (Training).
بحلول نهاية هذه الدورة التدريبية، ستفهم تمامًا ما هي العمليات الحسابية التي تجريها هذه الشبكة عندما ترى صورة رقم، وكيف يتم تدريب شبكات معقدة مثل هذه خطوة بخطوة.
من المهم أيضًا أن نوضح ما "لن" تتعلمه هنا. لن تتعلم كيف تصمم ذكاءً اصطناعيًا واعيًا يحل محل العقل البشري. فرغم كفاءة هذه الشبكة في التعرف على الأرقام، إلا أنها في الحقيقة "لا تفكر". إنها مجرد شلال من المعادلات الرياضية؛ تتدفق الأرقام عبر طبقات الحسابات لتصل في النهاية إلى مخرج يمثل "أفضل تخمين" للرقم المرسوم.
مجرد قدرة الآلة على "التعلم" لا يعني إطلاقًا أنها قادرة على "التفكير". لاحقًا في هذا الفصل، ستشارك في تصميم جهاز كمبيوتر ميكانيكي بسيط مكون من 300 علبة كبريت، قادر على تعلم كيفية الفوز في لعبة "إكس أو" (Tic-Tac-Toe). وبالطبع، لا أحد يعتقد أن كومة من علب الكبريت تمتلك القدرة على التفكير!
لكن قبل أن نصل إلى تلك المرحلة الممتعة، سنتعمق أكثر في فهم كيف تحل أجهزة الكمبيوتر مشكلة "الرؤية" وتحليل الصور في الدرس القادم.